تفاصيل المقال

الفرق بين الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية

الفرق بين الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية

الفرق بين الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية

دراسة قانونية مبسطة في ضوء المبادئ القضائية

يُعد نظام الدفوع من أهم الوسائل القانونية التي منحها المشرع للخصوم للدفاع عن حقوقهم ومراكزهم القانونية أمام القضاء، إذ تمثل الدفوع الأداة التي يستطيع من خلالها المدعى عليه مواجهة الدعوى المقامة ضده، سواء من خلال الطعن في الإجراءات التي اتُبعت في رفع الدعوى أو من خلال منازعة المدعي في أصل الحق الذي يطالب به.

ورغم أهمية هذا الموضوع، إلا أن هناك خلطًا شائعًا بين الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية، الأمر الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى ضياع حقوق الخصوم أو سقوط بعض الدفوع التي كان من الممكن أن تؤثر بصورة جوهرية في مسار الدعوى ونتيجتها.

ومن هنا تبرز أهمية التفرقة بين هذين النوعين من الدفوع لفهم طبيعة كل منهما وآثاره القانونية.

أولًا: ما المقصود بالدفع الشكلي؟

الدفع الشكلي هو وسيلة قانونية يطعن بها الخصم في صحة الإجراءات التي اتُّبعت في رفع الدعوى أو السير فيها، دون التعرض لأصل الحق محل النزاع.

وبعبارة أخرى، فإن الدفع الشكلي لا يناقش ما إذا كان المدعي محقًا أو غير محق في طلباته، وإنما يركز على سلامة الإجراءات القضائية التي اتُّبعت منذ بدء الخصومة.

ومن أشهر أمثلة الدفوع الشكلية:

  • الدفع بعدم الاختصاص المكاني.

  • الدفع ببطلان إعلان صحيفة الدعوى.

  • الدفع ببطلان التكليف بالحضور.

  • الدفع بسقوط الخصومة.

  • الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن.

  • الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون.

وتتميز الدفوع الشكلية بأنها تتعلق بالنظام الإجرائي للدعوى، ولذلك فإن المشرع غالبًا ما يشترط التمسك بها في مرحلة معينة من مراحل التقاضي، وإلا سقط الحق فيها.

ولهذا يقال إن الدفع الشكلي هو "دفع سابق على الكلام في الموضوع"، لأن الخصم يجب أن يتمسك به قبل الدخول في مناقشة أصل النزاع.

ثانيًا: ما المقصود بالدفع الموضوعي؟

أما الدفع الموضوعي فهو الوسيلة التي ينازع بها الخصم في أصل الحق الذي يدعيه خصمه.

ففي هذا النوع من الدفوع لا يطعن المدعى عليه في إجراءات الدعوى، وإنما يواجه الحق المدعى به ذاته، محاولًا إثبات عدم وجوده أو انقضائه أو عدم استحقاق المدعي له.

ومن أمثلة الدفوع الموضوعية:

  • الدفع بالوفاء.

  • الدفع بالتقادم.

  • الدفع بانقضاء الالتزام.

  • الدفع ببطلان العقد.

  • الدفع بعدم تنفيذ الالتزامات المقابلة.

  • الدفع بانتفاء المسؤولية.

  • الدفع بعدم وقوع الخطأ.

  • الدفع بعدم توافر أركان الجريمة في الدعاوى الجزائية.

ويجوز للخصم إبداء الدفوع الموضوعية في أي مرحلة من مراحل الدعوى ما لم يكن قد تنازل عنها صراحة أو كان القانون قد وضع بشأنها قيدًا خاصًا.

ثالثًا: الفارق الجوهري بين الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية

يكمن الفرق الأساسي بين النوعين في محل الطعن الذي يوجهه الخصم.

فالدفوع الشكلية تستهدف الإجراءات القضائية ذاتها، بينما تستهدف الدفوع الموضوعية الحق المدعى به.

فعندما يتمسك المدعى عليه ببطلان إعلان صحيفة الدعوى، فإنه لا يناقش أصل الحق وإنما يطعن في إجراء من إجراءات الخصومة.

أما عندما يتمسك بسداد الدين أو انقضاء الالتزام أو عدم ارتكاب الفعل المنسوب إليه، فإنه ينازع في الحق ذاته، وهو ما يشكل دفعًا موضوعيًا.

رابعًا: أثر قبول الدفع الشكلي

إذا قبلت المحكمة الدفع الشكلي، فإنها غالبًا لا تتعرض لأصل الحق محل النزاع.

فقد تقضي بعدم قبول الدعوى أو ببطلان الإجراءات أو بإحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة بحسب الأحوال.

وفي هذه الحالة يبقى أصل الحق دون بحث أو فصل.

ولهذا فإن قبول الدفع الشكلي لا يعني بالضرورة انتصار المدعى عليه في موضوع النزاع، وإنما يعني وجود خلل إجرائي يمنع المحكمة من نظر الموضوع في تلك المرحلة.

خامسًا: أثر قبول الدفع الموضوعي

أما إذا قبلت المحكمة الدفع الموضوعي، فإن أثر ذلك يكون الفصل في أصل الحق محل الدعوى.

فإذا أثبت المدعى عليه أن الدين قد تم سداده، أو أن العقد باطل، أو أن المسؤولية غير قائمة، فإن المحكمة تقضي برفض الدعوى أو برفض الطلبات المرفوعة فيها.

وهنا يكون الحكم قد تناول جوهر النزاع وحسمه بصورة مباشرة.

سادسًا: أمثلة عملية توضح الفرق

إذا أقام شخص دعوى مطالبة بمبلغ مالي، فدفع المدعى عليه بأن إعلان الدعوى تم على عنوان خاطئ، فإن هذا يعد دفعًا شكليًا لأنه يتعلق بإجراء الإعلان.

أما إذا دفع بأن المبلغ المطالب به قد تم سداده بموجب إيصالات رسمية، فإن هذا يعد دفعًا موضوعيًا لأنه يتعلق بأصل الحق المطالب به.

وفي دعوى جزائية، إذا دفع المتهم ببطلان القبض أو التفتيش، فإن هذا دفع شكلي.

أما إذا دفع بانتفاء القصد الجنائي أو عدم وقوع الجريمة أو عدم كفاية الأدلة، فإن ذلك يعد دفعًا موضوعيًا.

سابعًا: أهمية التفرقة بين النوعين

تكتسب التفرقة بين الدفوع الشكلية والموضوعية أهمية عملية كبيرة؛ لأن بعض الدفوع الشكلية يسقط الحق في التمسك بها إذا لم تُبدَ في الوقت المحدد قانونًا، بينما تبقى العديد من الدفوع الموضوعية قابلة للإثارة طوال مراحل الخصومة.

كما أن معرفة طبيعة الدفع تساعد المحامي أو المستشار القانوني على اختيار التوقيت المناسب لإثارته وتحقيق أكبر قدر من الحماية القانونية لموكله.

خاتمة

إن الدفوع الشكلية والدفوع الموضوعية تمثلان ركيزتين أساسيتين في منظومة الدفاع القضائي، غير أن لكل منهما طبيعة قانونية مختلفة وآثارًا متميزة.

فالدفوع الشكلية تتعلق بصحة الإجراءات وسلامة الخصومة القضائية، أما الدفوع الموضوعية فتنصب على أصل الحق المدعى به ومدى استحقاقه.

ومن ثم فإن الإلمام بالفروق بينهما لا يعد مسألة نظرية فحسب، بل هو ضرورة عملية لكل مشتغل بالقانون، لما يترتب عليه من آثار مباشرة قد تحسم الدعوى قبل الوصول إلى مناقشة موضوعها أو قد تؤدي إلى رفضها من أساسها.

بقلم
الدكتور أحمد شعبان
مستشار قانوني بدولة الإمارات العربية المتحدة

هذا المقال مناسب للنشر في صحيفة أو مجلة قانونية، ويمكنني أيضًا إعداد نسخة أكاديمية موسعة (1500–2000 كلمة) تتضمن أحكام محكمة التمييز الإماراتية والمقارنات الفقهية لإضفاء قوة علمية أكبر عند النشر.

هل تحتاج استشارة؟

تواصل مع خبرائنا القانونيين للحصول على استشارة مخصصة

تواصل معنا